أبي طالب المكي
351
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسافر الرجل وحده فقال : الثلاثة نفر ، وقال : إذا كنتم في سفر ثلاثة فأمروا أحدكم . قال : فكانوا يفعلون ذلك ، ويقولون ذاك أمير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك يستحبّ . وقد جاء في الخبر : خير الأصحاب أربعة ، والأسفار ، والنزه لا تطيب إلَّا في جماعة ، وأقل الجماعة اثنان ، والثلاثة والأربعة أفضل ، والسياحة لا تحسن إلا على الانفراد والوحدة ، فإن اتفق ثلاثة في سياحة بقلب واحد ، وهمّ واحد ، على حال واحد ، فهم كعبد واحد ، فهو حسن وفيه معاونة على البرّ والتقوى ، قال الله عزّ وجلّ فيمن منعه النصرة وحرمه منه الصحبة : * ( لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ ولا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ) * [ الأنبياء : 43 ] ، فمن نصره الله على نفسه فقد صحبه ، ومن لم يصحبه سلَّط عليه نفسه وسخّره لها . وجمله الأمر أنّ السفر عمل من الأعمال يحتاج إلى نية وإخلاص ، فمنه فرض وهو ما هرب به من معصية ، ومنه فضل وهو ما طلب به طاعة ، ومنه مباح وهو ما ضرب به في تجارة ، ومنه معصية وهو ما سعى به في فساد .